الأحد , 20 أبريل 2014
اغتصاب “الطفولة” في مراكز الطفولة!

اغتصاب “الطفولة” في مراكز الطفولة!

“يريد العطف علي ويحبني، ربّما أراد أن يمتّعني ويقضي معي وقتا جميلا، ويصطحبني في نزهة ذلك اليوم.. لا لشيء آخر…”. هكذا فسّرت (هـ م) دعوة عبد اللطيف لها “للذّهاب معه إلى بيته”. هذه الدّعوة هي “تحرّش جنسيّ” أقدم عليه مربّي بالمركز المندمج للشباب والطفولة برادس. وهي ليست المرّة الأولى الّتي يقوم فيها هذا المربّي بتكرار هذه الفعلة، فطوال أربع سنوات دأب على “التّحرّش” بإحدى مكفولاتة. وهو ما تضمّنه تقرير  سلّمته الأخصّائيّة النّفسانيّة بالمركز بتاريخ 18 جوان 2011 إلى مدير المركز، الّذي سلّمه إلى وزارة المرأة والأسرة، الّتي أحالت الملف بدورها إلى الأرشيف.

تجربة  (هـ م) مع التّحرّش الجنسي تضمّن “قبلة  ومداعبة وبعض الإيحاءات الجنسيّة”، وفق ما أقرّت به إحدى المشرفات بالمركز، إضافة إلى دعوة الطّفلة إلى ممارسة الجنس. هذا التّحرّش الجنسي عانت منه الفتاة ذات الـ 15 ربيعا طوال أربعة أعوام، على غرار  غيرها من الفتيات والفتيان الّذين تمّ التّحرّش بهم واستغلالهم جنسيّا. فخمسة من مراكز رعاية الطّفولة في تونس سُجّلت فيها حالات شبيهة متعدّدة بلغت حد الاغتصاب، كان أبطالها “أطفال” تكفلهم الدّولة، بعضهم اُغتصب من قبل أترابه وآخرون اغتصبوا  ممّن كان يجدُر به أن يرعاهم.

تتكرّر حالات الاستغلال الجنسي للأطفال في ظلّ صمت وتستّر بقيّة المربين في مراكز الرّعاية والإدماج بتونس، في خرق للفصل 32 من مجلة الطفل ، الّذي يتعلّق بواجب الإشعار عن كلّ ما يهدّد صحّة الطّفل أو سلامته البدنيّة أو المعنويّة، خاصّة ممّن يتولّى بحكم مهنته العناية بالأطفال ورعايتهم”.

مصير هذه النّصوص القانونيّة لا يختلف كثيرا عن مصير التّقارير المقدّمة إلى وزارة المرأة والأسرة والطّفولة منذ 2005. فحالات الاستغلال الجنسي للأطفال تواصلت إلى سنة 2012، واستمر معها التّكتّم عن هذه الانتهاكات ، مثلما واصل المغتصبون سلوكهم. فآخر حالات التّحرّش المسجلة في مراكز للطفولة كانت بنادي أطفال خير الدّين بالمرسى العائد بالنّظر إلى وزارة المرأة، الّتي لجأت إليها المتضرّرة بشكاية منذ فيفري الفارط.

المتّهم بالتّحرّش هذه المرّة هو المدير، الّذي سبق له وأن تورّط، وفق تقارير  داخليّة لوزارة المرأة سنة 2005 في قضيّة اغتصاب قاصر صادف أنّها كانت إحدى المقيمات بالمركز المندمج بعين دراهم في فترة تقلّد المعتدي لمنصب مدير المركز.  قبل أن تصدر بحقه وزيرة المرأة السّابقة سلوى العيّاشي اللبّان قرار إبعاد عن النّشاط الّذي فيه احتكاك بالأطفال. وحُفظ التّقرير قبل أن يختفي من مصالح وزارة المرأة سنة 2011.

اختفاء التّقرير الّذي يدين المدير (م ب) مكّنه من العودة إلى إدارة مؤسّسة تقدّم خدماتها إلى الأطفال بالضّاحية الشماليّة لتونس العاصمة، قبل أن يقع نقله مرّة أخرى إثر  شكاية  قدّمتها الفتاة (ن) إلى وزارة المرأة، والّتي أشارت فيها إلى أنّ المدير المذكور “طلب منها أن تكون خليلته بعد أن اختلى بها في مكتبه بنادي الأطفال خير الدّين”.

إيحاء (م ب) للفتاة بأنّه يريد أن تجمعه بها  ”علاقة” يعرّفها القانون التّونسي بكونها “تحرّش جنسي”، انضاف إلى قائمة التّهم الموجهة إليه والمتعلّقة باغتصاب فتاة قاصر وبالاستغلال  الجنسي لأطفال. إذ أنّ الفصل 25 من مجلّة الطفل اعتبرت أنه “يعدّ من قبيل الاستغلال الجنسي للطّفل ذكرا كان أو أنثى تعريضه لأعمال الدّعارة سواء بمقابل أو من دونه وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة”.وبالاستناد إلى الفصول القانونيّة لمجلّة حقوق الطّفل الصّادرة سنة 1995 يحمّل المسؤوليّة للمعتدين على الطّفل جنسيّا وللمتستّرين على عملة الاعتداء، على غرار  (ك  ع)، مشرفة وحدة الحياة بالمركز المندمج برادس، الّتي علمت بالتحرش الجنسي ضدّ (هـ م)  من قبل عبد اللّطيف وتستّرت عليه. بل إنّ المعتدي استعان بها “لاسترداد هدايا كان قد قدّمها للفتاة”. ومنها “هاتف جوّال” وفق تقرير الأخصائيّة النّفسيّة المقدّم لوزارة المرأة.

عبد اللطيف الّذي اقتصرت “عقوبته”، إثر صدور نتائج التّحقيق، على الاستجابة لطلب نقلة إلى مركز آخر للطفولة سبق أن تقدّم به في جويلية2011. ومازال يتمتّع إلى الآن بوظيفته كـ”مربّي للأطفال” بعد تجميده عن عمل مدّة 6 أشهر، وذلك رغم أنّ تقرير الأخصّائيّة النّفسانيّة أشار إلى أنّه يعاني من اضطرابات في السّلوك تستوجب إبعاده عن الأطفال. هذا الاضطراب ينفه عبد اللّطيف مثلما ينكر  أن يكون قد تحرّش جنسيّا بالأطفال. لكنّه أقرّ بأنّ معاملته لهم “تلقائيّة”. وهي بالنّسبة له تشمل “التّلطّف والتّودّد وتقديم الهدايا وتقبيل الفتيات في المركز”، بحسب ما جاء  في محضر التّحقيق الذي سلّمت منه نسخة إلى وزارة الإشراف.

لكن هذا التّقرير أتى متأخّرا، فعدد من ضحايا التّحرّش والاستغلال الجنسي بمراكز تابعة للدولة، التحقوا إثر مغادرتهم بشبكات الدّعارة، ومنهم “هناء”  (اسم مستعار) الّتي غادرت المركز المندمج برادس سنة 2011 بعمر 19 سنة لتبيع جسدها بمقابل بعد أن “سبق أن تمتّع به مربّوها مجانا”، على حدّ تعبيرها.

 انتشار ظاهرة التحرش والاستغلال الجنسي لتطال 5 مراكز لرعاية الأطفال في ظلّ غياب إجراءات أو ردع من قبل وزارة المرأة، الّتي وإن أكّدت وزيرتها سهام بادي “أنّ هذا الملف يحضى باهتمام الوزارة، وأنّ عددا من المتّهمين بالتّحرش الجنسي اُحيلت ملفّاتهم على القضاء والبعض الآخر على مجالس التّأديب”، دون أن تذكر حالة وحيدة تفيد باتّخاذ إجراءات ضدّ مرتكبي هذه الجريمة. ورغم إشارتها إلى أنّ المحاسبة “ستطال من أذنب ومن تستّر على المذنب ولم يقم بدوره”، إلا أن الوزارة تنكر أن يكون هناك “اغتصاب” او استغلال جنسي للأطفال من قبل المربّين المشرفين عليهم.

 هذا النّفي يتلاشي عند التّطرّق إلى الحديث عن حالات اغتصاب الأطفال الذّكور في المركز المندمج بسيدي ثابت. فالوزارة وإن أقرّت بهذه الاغتصابات الّتي قام بها أطفال في المركز ضدّ أترابهم ممّن يصغرونهم سنّا، فإنها القت بالمسؤوليّة على “الأطفال المغتصبين”. فمن وجهة نظر وزيرة المرأة والطّفولة، فـ”إنّ  من يتعرّضون إلى سوء المعاملة والاعتداء في فترات متقدّمة من سنّهم يمارسون ذات الاعتداءات على الأطفال الأصغر منهم سنّا في فترة مراهقتهم”. لكن ما لم تجب عنه الوزيرة هو لماذا لم يتدخّل المربّون الـ12، بمركز سيدي ثابت لمنع هذه الاعتداءات الّتي يكون ضحيتها في الغالب من هم  دون سن العاشرة.

“افتقار العاملين بالمركز المندمج بسيدي ثابت إلى المهنيّة”، هذه الكلمات التي “حدّدت مسؤوليّة تعرّض هؤلاء الضحايا للاغتصاب من قبل زملائهم في المراقد المخصّصة لهم في الفترة الممتدّة من فيفري  2011 إلى فيفري 2012″. ومن أوجه غياب المهنيّة نجد تقرير الأخصّائيّة النفسانيّة بالمركز، الّذي انتقدته اللّجنة المختصّة الّتي كلّفتها وزارة المرأة بالتّحقيق في الحادثة. فالتّقرير “لم يتضمّن  تفاصيل وأسباب التّهديدات الّتي يعيشها الطّفل”، بالإضافة إلى اختزال معالجة ” الضّحايا” في إعادة توزيعهم على بقيّة المؤسّسات.

ورغم علم المربّي المداوم يوم الجمعة 20/01/2012 على الساعة 20:30 بتعرض (ج) الى الاغتصاب، فإنّه لم يتّخذ أيّة إجراءات لحماية الطّفل أو رعايته. بل انه لم يقوم بتغيير غرفة الضحية وابعاده عن “المغتصبين”، وهو ما قام به مدير المركز بتاريخ 23/01/2012 أي إثر مرور ثلاثة أيّام عن حادثة الاغتصاب، هذا القرار الّذي اتّخذه المدير بالتّشاور مع فريق عمل تضمن أيضا أمرا بتشديد المراقبة والإحاطة بالأطفال.

المفاجأة لم تتوقّف عند هذا الحد  فبتاريخ 31/01/2012 أشعرت الاخصائية النفسانية  مندوب حماية الطفولة، أي إثر مرور 11 يوما عن تسجيل الحالة الأولى، بتعرّض ثلاثة أطفال  أعمارهم تقل عن الـ10 سنوات إلى “الاغتصاب”. وليس هذا فقط، فطوال سنة كاملة كانت مجموعة تتكوّن من 12 طفلا دون 10 سنوات تتعرض إلى الإغتصاب المتكرّر من قبل “زملائهم في غرف النّوم” خلف الأبواب المغلقة في ظلّ غياب المراقبة.

هذه الإخلالات اعتبرتها الأخصّائيّة النّفسيّة وعضو لجنة التّحقيق “غير تربويّة”، وتدلّ على “غياب المهنيّة”. لكنّ وزيرة المرأة اعتبرتها “نتيجة”  صعوبة التّعامل مع أطفال بعضهم “تعرّض في صغره للاعتداء داخل أسرته” وآخرون من “أبناء الشّوارع” كما اسمتهم. فمن وجهة نظر سهام بادي “من تعرّض للاعتداءات الجنسيّة من الأطفال سيحاول الاعتداء على الأطفال الأصغر سنا منه في مراكز الإدماج”.  لكن علم الوزيرة بهذا المعطيات  ”لم يثمر عن أيّة تغييرات في المركز ولم يسفر عن أيّة تتبّعات لهم بتهمة التّقصير”، وفق ما تنصّ عليه مجلّة حقوق الطّفل. بل اقتصر على “تنظيم 4 ندوات علميّة تتعلّق بطرق تعهّد الأطفال”، على حدّ تعبيرها.

تأكيدها على أنّ وزارتها  تتّبع الإجراءات الإدارية ضدّ من “أخلّ بواجبه”، لم تقابله على أرض الواقع إجراءات ملموسة. فـ”الأمر انتهى عند لجنة مختصّة أرسلتها الوزارة للبحث عن الحادثة”، وفق تصريحات إطارات بالوزارة نتحفّظ عن ذكر أسمائهم. وبالعودة إلى الوزيرة وإعلامها بأنّ المحاكم التّونسيّة لم تسجل أيّة قضيّة، وأنّ مصالح وزارتها ومجلس التّأديب لم ينظر في أيّ ملفّ يتعلّق بـ”الإخلال بالواجب”، اكتفت بالرّدّ “أنّ وزارتها تؤمن بأنّ القضاء هو الفيصل، وأنّها لا تحاسب موظّفيها على الظّنون”.

ظنون وزيرة المرأة لا تحتاج لاثبات، ففي مارس 2012 تسلّمت معاليها تقارير تفيد بتسجيل حالات “استغلال جنسي وتحرّش” في مراكز ترجع إلى وزارتها بالنّظر، يومها أعلنت الوزارة أنّها في حرب ضدّ “الفساد والمفسدين”، لكن هذه الحرب لم توجّه ضدّ المغتصبين والمتحرّشين وإنّما ضدّ “من كتب تقريرا ضدّ هذه الفضاعة”.

التعليقات

-

إلى الأعلى