الخميس , 24 أبريل 2014
هل أصبحت رياض الأطفال في تونس شرّا لابدّ منه؟

هل أصبحت رياض الأطفال في تونس شرّا لابدّ منه؟

تُعتبر مؤسّسات رياض الأطفال من الهياكل التّربوية الّتي تَلعَبُ دورًا مهمّا في تربية وتكوين النّاشئة. هذه المؤسّسات الّتي تَحتَضِنُ الطّفل في السّنوات الأولى من حياته، والّتي يَقضي فيها اليوم بأكمله، غَدَت بمثابة بيت له ومضجعٍ يلعب ويأكل ويَنام فيهِ.

هذا الواقع الّذي فرضته  ضرورات الحياة الاجتماعية والماديّة  أفضى لإستقالة  الأولياء من مسؤولياتهم تجاه أطفالهم وتخلّيهم عن دورهم التربوي لفائدة مثل هذه المؤسّسات، ثِقَةً منهم في قدرة هذه الأطر التربوية على  توفير الرّعاية النّفسيّة والاجتماعيّة اللاّزمة لأطفالهم. فغَدَت من ثمّةَ رياض الأطفال ضرورة ملحّة لكلّ عائلة تونسيّة وشرّا لا بدّ منه.

 مع تزايد انتشار هذه المؤسّسات، كثُرت الخيارات، وتزايدت حيرة الأولياء في الاختيار بينها، ترى أيّ الرّياض هي الأجدر بالثّقة؟ لتظلّ وضعيّة هذه المؤسّسات دائما محلّ تساؤل ونقطة استفهام كبرى يطرحها الأولياء، خاصّة إذا ما تعلّق الأمر بشأن مؤهّلات العاملين فيها ومدى قدرتهم على احتواء أطفالهم وتوفير مناخ تربوي يستجيب لمقوّمات وشُروط مؤسّسة تربويّة تُعنى بتنشئة ورعاية شريحة حسّاسة مثل الأطفال.

نقص في النّظافة وتقصير في الإحاطة النفسية والاجتماعية، انتداب مربيّات غير مؤهّلات واستعمال فضاءات غير مهيّئة… نقائص جمّة  وتجاوزات فادحة يشهدها القطاع منذ سنوات، يتخبّط جرّاها الوليّ بين الرّفض والاستسلام للأمر الواقع. استمرّ الوضع إلى حدّ حُصول واقعة إغتصاب طفلة الثلاثة سنوات في روضة بمنطقة المرسى من تونس الكبرى، فكانت تلك القطرة الّتي أفاضت الكأس واهتزّ لها عرش وزيرة شؤون المرأة والطّفولة، وسط تنديدات ومُطالبات بالاستقالة ارتفعت داخل المجلس التّأسيسي، ووقفات احتجاجيّة نفّذها بعض المواطنين أمام مقر الوزارة.

تجاوزات يرويها الأولياء و أخرى يؤكّدها الخبراء

صور وألوان زاهية تكسو جُدران  المكان ومنظرٌ رائع يُبهر النّاظر ويستهوي الزّائر.. حديقة رحبة ومراجيح وألعاب ووُجوه مبتسمة مرحّبة مهلّلة…تلك هي حالُ معظم رياض الأطفال في تونس. تحاول المُشرفات عليها إظهار صورة مُطمئِنة للوليّ وإبهاره بما تكتسبه مؤسّساتهُنّ من ميزات وكفاءات تربوية عالية تضمن لأطفالهم  تربية سليمة ورعاية فائقة المستوى.

صورة قد يندهش لها الوليّ في بادئ الأمر لتتبخّر شيئا فشيئا، ويلوحُ من ورائها واقع  مرير يعيشه الطفل  في بعض الرّياض سببهُ انعدام الرعاية النفسية والاجتماعيّة واستهتار المربّين وعدم التزامهم بمسؤوليّاتهم.

“صورة قد تبدو قاتمة لكنّها تعكس حقيقة واقع هذه المؤسسات”، هكذا عبّر عدد من الأولياء عن رأيهم في مؤسّسات “ما قبل الدّراسة” في تونس.

لم تكن كلماته بعد واضحة… وماتزال خطواته بعد متعثّرة…  هو طفل لم يتجاوز السّنتين من عمره، لم تشفع له براءته ولا عفويّته  لتنقذه من براثن غضب مربّيته وانفلات أعصابها الّتي لم تتردّد في معاقبته وترك آثار الضّرب على جسده الصّغير.

“يوسف لم يكن قادرا على سرد معاناته وما يتكبّده من سوء معاملة بشكل يوميٍّ من قبل المربّية، لكن حالة من الاضطراب النفسيّ والخوف تملّكت الطفل وبدأت تلاحظها الأمّ يومًا بعد يوم، وتأكّد لها ذلك بعد عرضه على مختصّ في علم النّفس.

تسامحت الأم  كثيرا مع بعض التّجاوزات منها نقص النّظافة مثلاً، وتعرّض طفلها لبعض الحوادث الّتي انجرّت عادة عن تدافع الأطفال واحتكاكهم ببعضهم البعض،  لكنّها لم تقبل بتاتاً أن يتعرّض طفلها للعنف والاعتداء الجسدي والمعنوي من قبل مُربّيته، ممّا خلّف له آثارا نفسيّة بالغة”. هكذا تحدّثت أم يُوسف لـ”جدل” عن العنف الّذي تعرّض له طفلها في إحدى الرياض بالعاصمة، معبّرة عن عدم ثِقتها في هذه المؤسّسات، خاصّة بعد حادثة الاغتصاب الّتي تعرّضت لها طفلة الثّلاثة سنوات.

و بين الرّغبة والرّهبة من هذه المؤسّسات أصبح الولي يعيش حالة تمزّق شأن أم يوسف، بينما تغطّ سلطة الإشراف في سُبات عميق. هذا ما يفتح المجال شاسعا للتساؤل عن المسؤول عن هذه النّقائص والجرائم الّتي تُرتكب في حقّ الأطفال، ومن له القدرة على وقف هذا النّزيف؟

المتفقّد البيداغوجي بوزارة الطفولة (ع.ج) قال لـ”جدل”، “الولي هو المسؤول الأوّل عن ضمان مناخ تربوي متوازن لطفله، و هو الأحق بمتابعته والتأكّد من قدرة أيّ مؤسّسة على توفير الرّعاية اللاّزمة، من خلال المحادثات اليوميّة والأسئلة والقيام بزيارات للرّوضة في أوقات مختلفة من اليوم” .

كما أكّد (ع.ج) على ضرورة “أن يطّلع الولي على كل  فضاءات الرّوضة، ويتأكد من وضعيّتها القانونية وتوفُّر كلّ المرافق التّربوية بها من تهوئة وتدفئة ونظافة، قبل أن يسجّل طفله بهذه الرّوضة أو تلك”.

لكنّه لم ينف في الآن نفسه مسؤولية الأطراف المتدخّلة في هذا الميدان،  على غرار المتفقّدين المطالبين في رأيه بـ”رفع تقاريرهم في كلّ التجاوزات الحاصلة  وبعدم التّغاضي عن المُخالفات الحاصلة”، مُشدّدا على ضرورة “أن يَشمل هذا التّفقّد الإطار التّربوي والعمّالي واختبار قُدراتهم ومُؤهّلاتهم في التّعامل مع الأطفال”، مشيرا إلى ضرورة “أن يتمتّع هؤلاء بصفات وخصال معيّنة كالصّبر والأمانة والقُدرة على التّواصل مع الآخرين والتّسامح، وأن يطّلع المتفقد على كرّاس المتابعة اليومي الّذي يكشف في رأيه عن نوعيّة الأنشطة الّتي تقدّمها المنشّطة للأطفال”.

كما لم يستثن محدّثنا مديرة الرّوضة من هذه المسؤوليّة، واعتبرها “ضلعا أساسيّا في العمليّة التّربويّة من خلال انتدابها لمنشّطات لا تتوفر فيهنّ الكفاءة وشروط التّعامل مع الأطفال كما هو منصوص عليه في كراس الشّروط”.

أمّا عن التّجاوزات، فقد أشار محدّثنا عن حالات عديدة مثل اكتشاف قوارير خمر بقاعات النّشاط، وافتقار الفضاءات لأبسط الشّروط الصحيّة من نوع (garage/ cave). كما استنكر انتشار بعض رياض الأطفال القرآنية الّتي اعتبر “أنّها تُمارس نوعا من الإغتصاب والانتهاك لبراءة الأطفال من خلال تمريرها لإيديولوجيّات معيّنة، كتحريم اللّعب والرّسم وتلقينهم لقصص عن عذاب القبر”.  واعتبر “أنّ بعضها يخضع لتوجُّهات سياسيّة مُعيّنة مموّلة من أطراف خارجيّة”.

كما أعلن محدّثنا عن تعرّضه لرُدود فعل عنيفة جدّا من قبل هذه المؤسّسات، مؤكّدا “رفضهم للنّقاش والتّحاور وتسوية وضعيّاتهم”. لكن تبقى صلاحيات المتفقد محدودة في رأيه و”تقف عند حدود اقتراح الغَلق أمّا تفعيل هذا القرار فهو بيد الوالي”، معتبرًا “أنّ هذه المنظومة تعاني خللا عميقا يكمن صلب الوزارة المعنيّة. فكبار المسؤولين عن هذا القطاع ليسوا من أهل الاختصاص ويجهلون حقيقة هذا الميدان”، على حدّ قوله.

أنيس عون الله مندوب حماية الطّفولة بتونس لهُ أيضًا بعض التّحفّظات عن سياسة الدّولة في هذا القطاع، حيث أنّه يُحمِّلها المسؤولية في تنامي حجم هذه التجاوزات. عون الله أكّد لـ”جدل”، “أنّ التّوجّه العام للدّولة لا يضع الطّفولة ضمن أولويّاته، وأنّ إشكاليّات هذا القطاع لا يمكن إصلاحها إلّا بقرارات تُتّخذُ من قِبَلِ أطرافٍ عُليا في الدّولة ورصد إمكانيّات مادّية وبشريّة ودسترة قوانين حقوق الطّفل وتفعيل الاتّفاقيّات”، مُبيّنا “أنّ صلاحيّات مندُوب حماية الطّفولة تقف عند حدود فصل الطّفل عن مصدر التّهديد إبّان تلقّيه لإشعار بذلك، لكن ليست له صلاحيّات القيام بعمليّات التّفقّد أو رصد وضعيّات الأطفال في مؤسّسات الطّفولة”.

وتقرّ النّشريّة الإحصائية لنشاط مندوبي حماية الطفولة لسنة 2012 بأن مكاتب مندوبي حماية الطفولة بَلَغَها ما يناهز الـ 50992 إشعار، أي بمعدّل 16 إشعارا يوميًّا. وقد سجّلت سنة 2012 زيادة تُقدّر بـ 11.9 % مُقارنة بالسنة الفارطة، وكانت هذه الإشعارات قد شملت 5882 طفلاً وانحصرت 15.1 % منها في صفوف الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم السّنة”. ويرجع الارتفاع في عدد هذه الفئة العمرية إلى أهمية نسبة الولادات خارج إطار الزواج الّتي لم تشملها النّصوص القانونيّة في مجلّة حقُوق الطّفل.

وفي هذا الصدد قال أنيس عون الله “إنّ هذه النّسب لا تعكس فعلا حقيقة العنف المسلّط على الأطفال، على اعتبار أنّ التّحقيق في هذه المسألة يتطلّب تدخّل عدّة أطراف”، على حدّ قوله.

هل تمّ تنفيذ قرارات الغلق؟

بَيْنَ تنامي حجم التّجاوزات وضخامة نسب حالات التّهديد في قطاع الطفولة، نَجِدُ أنّ الفصل 31 من كراس الشروط يحصر قرارات غلق المؤسسات المخالفة في يد الوالي، وذلك حسب النّص القانوني القارّ الّذي ينصّ على أنّهُ “في صورة عدم إلتزام الروضة بتسوية التجاوزات المسجّلة في الآجال المحدّدة تُغلق نهائيا بقرار يصدر عن وزيرة شؤون المرأة والأسرة والطفولة بعد أخذ رأي الوالي”.

في هذا الصّدد يوضّح علي بن سعيد رئيس دائرة فرعيّة للشؤون الثقافية والتربية والمكلف بإدارة الشؤون الاجتماعية بولاية تونس لـ”جدل”، “أنّه لا تُوجد اقتراحات غلق لم يتمَّ تنفيذها”، مشيرا إلى “أنّ مصلحة الطّفولة تقدّم مراسلات لا تفي بالحاجة”.

كما نفى تماما تلقّي الولاية لتقارير من مصلحة الطّفولة بشأن رياض تُهدّد سلامة الطفل، في حين أكّد “أنّ قرارات الغلق الّتي تتلقّاها الولاية تكُون صادرة إمّا عن وزارة الصّحة في حال تفشّي مرض ما في إحدى الرّياض أو عرائض ترفعها البلديّات بخصوص تغيير صبغة المحل”.

أمّا عن تفشّي ظاهرة انتشار رياض الأطفال القرآنيّة، خارج الأطر القانونيّة، فيقول علي بن سعيد “إنّ الولاية لم تتلقّ أيّ تقرير أو إشعار بخصوص هذه المؤسّسات”، مبيّنا “أنّ الوزارة لا تتعامل بجديّة مع هذه الملفّات ممّا يسمح بتنامي حجم التّجاوزات”، مضيفا “أنّ هذا القطاع لم تشمله إلى اليوم انجازات الثّورة”.

الانعكاسات النّفسيّة

الدّكتور عبد الحميد الزاير مدرّس وباحث في علم نفس الطّفل وعُلوم التّربية أكّد بدوره لـ”جدل”، “أنّ الطّفل الّذي يتعرّض للعنف المعنوي أو المادّي في المراحل الأولى من حياته، وتحديدا في مرحلة الطّفولة المبكّرة. سينعكس ذلك سلبا على بناء شخصيّته في المُستقبل، وسيُضعف قدرته على التّواصل الاجتماعي”، مضيفا “أنّ الطّفل في هذه المرحلة يحتاج لإشباع حاجاته الوجدانيّة والحركيّة والمعرفيّة، وتبقى المربّية  هي المصدر الأساسي لتمكين الطّفل من كلّ هذه الاحتياجات”، على حدّ تعبيره.

كما يرى الدكتور الزاير “أنّ العدوانيّة تُكتَسَبُ من خلال البيئة الّتي يعيش فيها الإنسان. فعندما يكون الإنسان في بيئة مُسالمة فإنّه يَميلُ إلى السّلم”. حيثُ أنّ الفرد يتطبّع، في رأيه، بنماذج الآخرين.  ومن هذا المُنطلق تكُون رياض الأطفال من بين المؤسّسات المسؤولة على تنشئة جيل متوازنٍ أو مختلٍ نفسيّا من خلال ما توفّرُهُ من مناخ تربويّ للنّاشئة.

التعليقات

-

إلى الأعلى