الأربعاء , 23 أبريل 2014
أمينة “فيمن”.. الإحتجاج بصدور عارية

أمينة “فيمن”.. الإحتجاج بصدور عارية

بعد سنة ونصف من حكم الإسلاميّين، نلاحظ أنّ أزمة الثّقة قد تفاقمت،  بينهم وبين النُّخب الحداثيّة والحركة النسويّة، الّذين يرون في حكم التيارات ذات المرجعية الدينية، خطرا على ما تحقّق من مكاسب وإنجازات. ولعلّ هذا ما يفسر بروز أشكال احتجاجيّة غير مسبوقة للتّعبير عن هذا الرفض.

ولعلّ بعض ممارسات الإسلاميين، سواء المعتدلين منهم أو المتشدّدين، قد سرّعت في القطيعة، وبالتّالي ساهمت في تصعيد مظاهر الإحتجاج. ولعلّ اللّافت فيها هو قوّة الحضور النسائي، وضمن هذا السياق يمكن أن نفهم تطوُّر نشاط منظمة “فيمن” في تونس، الّتي بدأت مع “نشاط فايسبوكي ” لأمينة، قبل أن تتمظهر على الأرض وفي الشّارع، سواء في تونس أو حتى في الخارج، بعد أن هاجمت ناشطات “فيمن” اجتماعا لرئيس الحكومة السّابق حمادي الجبالي في كندا.

خلال الأسبوع المنقضي، قامت ثلاث فتيات أجنبيّات بتعرية صدورهنَّ، أمام المحكمة الإبتدائيّة بالعاصمة. وذلك على خلفيّة التّضامن مع النّاشطة في منظمة “فيمن” التونسيّة أمينة، الّتي اعتقلتها السلطات، بعد أن قامت بتعرية صدرها والكتابة على حائط مقبرة تاريخيّة بمدينة القيروان. في نفس اليوم الّذي قامت فيه السّلطات الأمنيّة، بمنع عقد المؤتمر الثالث لتيّار “أنصار الشريعة”.

ردّة فعل السّلطات كانت باختيار المعالجة الأمنيّة ثمّ القضائية. من خلال اعتبار ما أقدمت عليه أمينة يُهدّد “صفو” الأمن العام. إضافة إلى كونه يعَدّ بمثابة حركة استفزازيّة لثقافة المجتمع المحافظة. فكان أن اعتُقِلت أمينة، كمقدّمة لمقاضاتها لاحقا.

وفي الواقع فإنّ ما أقدمت عليه أمينة، وخاصّة ظهورها عارية في صفحتها على موقع التّواصل الإجتماعي فايسبوك، وكتابتها على صدرها شعار منظمة “فيمن” الشهير “جسدي ملكي”، لابدّ من التعاطي معه بالكثير من المرونة و “الحكمة”. إذ أنّه يعد من الظواهر الّتي تميّز فترات ما بعد الهزّات الكبرى، الّتي تمسّ النّسيج المجتمعي وكذلك بنية الدولة وهيبتها. وهو وضع يُعَدّ طبيعيًّا في الحالة التونسيّة ما بعد ثورة 14 جانفي 2011.

يجب أن يُنظَرَ إلى هذه الظّاهرة، وإن كانت ما تزال تصرُّفا معزولا،  ويتعاطي معها ضمن ما أصبح يُعرَف في تونس بـ”الإنفلات”، وهو انفلات متعدّد في أشكاله ومضامينه، لكنّ ما يجمع بينه هو إرادة التمرّد على السلطة في بعدها المادي والرمزي أيضا.

وقد أخذ هذا “التمرّد” بعدا سياسيًّا وحتّى “نضاليّا”، سببه الإحتجاج على السّلطة القائمة، ونعني هنا الحكومة، عبر أشكال احتجاج غير متعارف عليها في مجتمعنا وفي ثقافتنا، ما جعلها صادِمة للكثير من التونسيّين. كما أنّ المُراد منها هو إحراج حكومة تستند إلى خلفيّة دينية محافظة. بهدف اختبار مدى تحمُّلِها ومدى ديمقراطيتها في التعاطي مع ظواهر مستجدة مثل تلك الّتي أقدمت عليها أمينة.

وبعيدا عن الخوض في المسألة من زاوية “أخلاقية”،  أو الهروب نحو القول بأنّ ما أتته أمينة تصرّف غير واع  نتيجة كونها تعاني من مرض نفسي، وهو موقف عائلتها والقريبين منها. فإنّه يعبّر أيضا عن شكل احتجاجي ضدّ الحكومة القائمة، الّتي ترى فيها جمعيّات ومنظّمات، وخاصّة النسويّة منها، تمثل خطرا على حريّة المرأة وعلى المكاسب التقدميّة الّتي تضمّنتها مدونة الأسرة التونسيّة، ونعني مجلة الأحوال الشخصية.

بهذا فهي ترتقي إلى مرتبة التّعبير عن المخاطر الّتي يمكن أن تهدّد هذه المكاسب. خصوصًا وأنّها تزامنت مع تلويح النهضة بالتّراجع عن المساواة بين الجنسين، وابتداع مفردة “مكمّلة”، ما أثار ردود أفعال قويّة لدى منظّمات المجتمع المدني، ومنها منظّمة “فيمن”. ما يجعل منها حركة احتجاجيّة في وجه مخاوف حقيقيّة من بروز دكتاتوريّة دينيّة، تكون أشدّ وطأة وظلما من الدكتاتوريّة السابقة.

إنّ الحكومة الحاليّة الّتي توصَفُ من قِبَل خصومها بأنّها “ضدّ حريّة المرأة” و “ضدّ الإبداع”، عليها أن تجد الطريقة المثلى للتعاطي مع الظّواهر الجديدة، الّتي يعبِّر من خلالها، خاصّة فئة الشباب الّذي زادت أوضاعه تهميشا بعد الثورة، عن انفعالاته وتطلّعاته وأيضا رفضه للواقع.

وعليها أن لا تعيد إنتاج ذات المعالجة الخاطئة مع رقصة “الهارلم شايك”، الّتي سبق وأن قام بها مجموعة من الشباب التلمذي، وكانت ردّة فعل الحكومة متمثّلة بالتلويح بالعصا أي العقاب. ولعلّ خطأ حكومتنا في كونها نظرت وقتها إلى الجانب “الأخلاقوي” أوّلاً، ولم تسع إلى تفهّم الأسباب الّتي دفعت شباب المدارس إلى رقصة الـ “هارلم شيك”. وهي  رقصة جديدة تتضمّنُ إيحاءات جنسيّة، تحولت إلى وسيلة جديدة للاحتجاجات والتعبير عن الرأي.

على حكومتنا أن تدرك أنّ شبابنا الذي يعيش في زمن العولمة، أصبحت تتحكم به وسائل الإعلام الحديثة، وخاصّة مواقع التواصل الإجتماعي في تحديد ذوقه وحتّى نظرته للعالم، ما جعلته متحرّرا من القيم السائدة في مجتمعه، بل متمرّدا عليها ورافضا لها، وهذا واقع ماثل أمامنا يجب التعاطي معه بعقلانيّة لا محاربته بدغمائيّة، وهو ما ينطبق أيضا مع الشكل الاحتجاجي الّذي اختارته أمينة/فيمن.

 غضب وزارة التربية لم يزد الشباب التلمذي إلّا تمسُّكا بهذه الرّقصة، الّتي انتقلت عدواها بين المدارس والجامعات وكلّ الفضاءات الشبابيّة. وهو أمر مرشَّح للاستنساخ مع أمينة-فيمن، إذا تمسّكت حكومتنا بالعصا عوض المعالجة السوسيولوجيّة والنفسيّة، لمثل هذه الظّواهر.

 

التعليقات

-

إلى الأعلى